إخوان الصفاء
295
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
لا الأنبياء ولا الفلاسفة ، ولا غيرهم ، إِلَّا بِما شاءَ الذي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، وَلا يَؤُدُهُ « 1 » حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ، وذلك أن الذين زعموا أنهم استخرجوا العلوم والصنائع بقوّة عقولهم وجودة فكرهم ورويّتهم ، لولا أنهم رأوا وشاهدوا مصنوعات الطبيعة ، فاعتبروها وقاسوا عليها ، وكان ذلك لهم كالتعليم من الطبيعة ، لما اهتدوا إلى شيء منها . والطبيعة أيضا لولا أنها مؤيّدة بالنفس الكلّيّة ، والنفس الكليّة لولا انها مؤيّدة بالعقل الكليّ الذي هو أول الموجودات من الباري ، سبحانه ، والباري ، سبحانه ، هو المؤيّد للكلّ كيف شاء ، الذي هو صانع الأسباب ، والمؤيّد للبّ ذوي الألباب . وإذ قد فرغنا من ذكر الصنائع البشريّة وموضوعاتها وأغراضها وشرفها ومنافعها ، فقد بيّنّا أن خير صناعة تبلغ إليها طاقة البشر وضع الناموس الإلهي ، وقد ذكرنا كيفيّتها وشرائطها في رسالة الناموس الإلهي ، فاجتهد يا أخي في معرفة أسراره ، لعلّ نفسك تنتبه من نوم الغفلة ، ورقدة الجهالة ، وتحيا بروح المعارف العقلية ، فتعيش بعيش العلماء الرّبّانيين ، وتنال نعيم عالم الروحانيين في جوار الملائكة المقرّبين مخلّدا أبد الآبدين ، فإن لم يستو لك ذلك فكن خادما في الناموس بحفظ أحكامه والقيام بحدوده ، فلعلك تنجو بشفاعة أهله من بحر الهيولى ، وأسر الطبيعة وهاوية عالم الأجسام بالكون والفساد ذوي الآلام ، وفّقك اللّه وإيانا ، أيها الأخ ، للرّشاد وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد ، إنه كريم جواد ، والحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على رسوله وآله .
--> ( 1 ) يؤده : يثقله ويعظم عليه .